اسماعيل بن محمد القونوي
322
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
كذا قيل وقال المحشي تصرف المصنف في البيت لقد أحسن اللّه فيما مضى كذلك يحسن فيما بقي فأخرجه عن الوزن اهتماما بجانب المعنى فإن ما بقي قد يستعمل فيما يستقبل وفيه نوع مخالفة لما ذكر أولا والظاهر أنه كلام من طرف المصنف لأنه مقتضى الكلام فما الباعث إلى حمل كلامه على ذلك وهذا استدلال بالأجلى على الأخفى لا قياس فقهي لأنه يفيد الظن والمقام مقام الجزم إذ الكلام في شأنه تعالى وبيان إحسانه على أفضل رسله فلا جرم أن الكلام يفيد القطع . قوله : ( ويجدك من الوجود بمعنى العلم ويتيما مفعوله الثاني ) بمعنى العلم أي الوجود العلمي فلا خدشة في استعماله ولذا قدمه لكن مجيء الوجود بمعنى العلم هل هو حقيقة أم مجاز والظاهر الأول . قوله : ( أو المصادفة ويتيما حال ) فيكون مجازا عن تعلق علمه تعالى به تعلقا حادثا أي بعلمه أنه وقع الآن بعد تعلق علمه به أنه سيقع فيما سيأتي والمراد الأول بقرينة فآوى ولما كان المصادفة وهو الملاقاة محالا في حقه تعالى حمل على المجاز لأنها مستلزم للعلم التام وهو عطف على العلم لا على الوجود ومعنى الاستفهام إنكار نفي الوجود إنكارا وقوعيا مبالغة في إثباته ولذلك عطف عليه قوله : وَوَجَدَكَ [ الضحى : 7 ] الآية سيجيء الإشارة إليه وكذا الكلام في قوله : فَآوى [ الضحى : 6 ] والعطف بالفاء لسببية ما قبلها لما بعدها روي أن أباه قد مات وهو في بطن أمه قد أتت عليه ستة أشهر وماتت أمه وهو ابن ثمان سنين فكفله عمه لأبوين أبو طالب وعطفه اللّه تعالى عليه فأحسن تربيته وذلك إيواؤه تعالى فالإيواء نعمة جسيمة وذكر اليتيم تمهيد له وإن لم يكن نعمة وكذا الكلام في قوله : وَوَجَدَكَ ضَالًّا [ الضحى : 7 ] الآية فإن النعمة الهداية والإغناء إلا أن يقال إنها أسباب للنعمة فهي في حكم النعم وهذا أبلغ من القول ألم تكن يتيما فآوى وكنت ضالا فهدى وكنت عائلا فأغنى . قوله : وَوَجَدَكَ ضَالًّا [ الضحى : 7 ] عن علم الحكم والأحكام فهدى فعلمك بالوحي والالهام قدم هذا الوجه على سائر الوجوه لأنه انسب بمرتبته وحاله صلّى اللّه عليه وسلّم قال الواحدي أكثر المفسرين على أن المعنى وجدك ضالا عن معالم النبوة وأحكام الشريعة غافلا عنها فهداك إليها يدل عليه قوله : وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ [ يوسف : 3 ] وقوله تعالى : ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [ الشورى : 52 ] وهذا هو اختيار الزجاج قال الجنيد وجدك متحيرا في بيان الكتاب المنزل عليك فهداك لبيانه قال تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ [ النحل : 44 ] وقال جعفر الصادق معناه كنت ضالا عن محبتي لك في الأزل فمننت عليك بمعرفتي قال الراغب الضلال العدول عن الطريق المستقيم ويضاده الهداية ويقال الضلال لكل عدول عن المنهج عمدا كان أو سهوا يسيرا كان أو كثيرا فإن الطريق المستقيم المرتضى صعب جدا وقال بعضهم كوننا مصيبين من وجه وكوننا ضالين من وجوه كثيرة فإن الاستقامة والصواب مجرى السهم من المرمى وما عداه من الجوانب كلها ضلال فإن كان الضلال ترك المستقيم عمدا أو سهوا قليلا أو كثيرا صح